الجرعات الأخيرة من الحق المر - الجزء السادس

يُمثل كتاب "الجرعات الأخيرة من الحق المر"، وهو الجزء السادس والخاتم لهذه السلسلة الشهيرة، خلاصة فكر الشيخ محمد الغزالي وزبدة تجربته التي امتدت لعقود في ساحات الدعوة والفكر. في هذا الكتاب، الذي يكتسي طابع "الوصية الأخيرة"، يسكب الغزالي عصارة ألمه وآماله، موجهاً نقدًا لاذعًا وشجاعًا للأوضاع المتردية التي وصلت إليها الأمة الإسلامية.
يؤكد الغزالي أن هذه الجرعات، رغم شدة مرارتها، هي الترياق الوحيد لإيقاظ أمة غطت في سبات عميق بينما العالم من حولها يسابق الزمن.

1. فلسفة الخاتمة: لماذا "الجرعات الأخيرة"؟
يأتي هذا الجزء ليضع النقاط على الحروف في قضايا الهوية، والعقل، والرسالة الحضارية. الغزالي هنا لا يكتب بصفته واعظًا تقليديًا، بل بصفته طبيبًا يرى المريض في حالة حرجة، مما يستدعي مصارحةً تامةً وقطعيةً. يرى المؤلف أن الوقت لم يعد يتسع للمداهنة أو تجميل الواقع؛ فإما استفاقة شاملة تعيد للوحي مركزيته في الحياة، وإما استمرار في التهميش الحضاري الذي لا يرضاه الله لعباده المؤمنين.

2. نقد التدين الجوف والانشغال بالهوامش
من أكثر القضايا إلحاحًا في هذا الجزء هي قضية "الخلل السلوكي" لدى المتدينين.
- غياب الروح عن الشعائر: ينتقد الغزالي تحول العبادات إلى حركات آلية لا تورث صاحبها خلقًا ولا تمنعه عن منكر. يشدد على أن الصلاة والصوم يجب أن يكونا وقودًا للإتقان والأمانة، وليس فقط طقوسًا تُؤدى لإسقاط الواجب.
- معارك "صغار المسائل": يبدي الغزالي أسفًا شديدًا على استنزاف طاقات الشباب في خلافات فقهية تاريخية أو شكليات مظهرية، في وقت تنهب فيه مقدرات الأمة وتُحتل أراضيها. يرى أن هذا الانشغال هو نوع من الهروب من التحديات الكبرى التي فرضها العصر.

3. العقل والعلم: الفريضة الغائبة
يربط الغزالي في "الجرعات الأخيرة" بين الإيمان والتقدم العلمي ربطًا عضويًا:
- الإيمان الذكي: يرفض الغزالي الإيمان الذي يقوم على الجهل أو محاربة العقل. يؤكد أن القرآن الكريم هو كتاب "أولي الألباب"، وأن أي فهم للدين يصادم الحقائق العلمية المستقرة هو فهم سقيم يجب مراجعته.
- السيادة بالتفوق المادي: يرى المؤلف أن الأمة التي تعتمد على أعدائها في توفير الدواء، والسلاح، والتقنية، هي أمة فاقدة لسيادتها الدينية والسياسية. العلم الكوني في نظره هو عبادة وقربة إلى الله، والتقصير فيه هو معصية كبرى أدت إلى هوان المسلمين.

4. الاستبداد السياسي وعوائق النهضة
لا يغفل الغزالي في خاتمة سلسلته عن الربط بين فساد الفكر وفساد الحكم:
- الحرية والتوحيد: يطرح فكرة عميقة مفادها أن التوحيد الحقيقي يقتضي تحرر الإنسان من عبودية الأشخاص. يرى أن الاستبداد يمسخ الشخصية المسلمة، ويحولها من شخصية مبادرة ومبدعة إلى شخصية منافقة وهشة.
- الشورى كمنهاج حياة: يشدد على أن غياب الشورى الحقيقية في المؤسسات والدول هو السبب الرئيس خلف الفشل الإداري والسياسي، مؤكدًا أن الإسلام جاء ليحرر العقول والنفوس من طغيان الجبابرة.

5. المرأة: نصف الأمة المشلول
يواصل الغزالي في هذا الجزء دفاعه المستميت عن حقوق المرأة، معتبرًا أن تهميشها هو أكبر جريمة تُرتكب بحق المستقبل:
- التحرر من العادات: يفرق بدقة بين أحكام الإسلام الصافية وبين التقاليد الموروثة التي تعامل المرأة ككائن أدنى. يرى أن منع المرأة من التعليم أو المشاركة في بناء المجتمع هو تعطيل لنصف طاقة الأمة.
- الأم الواعية: يؤكد أن بناء جيل قوي يتطلب أمًا مثقفة تفهم دينها وعصرها، لا أمًا محبوسة في زوايا الجهل والتبعية.

6. مواجهة الصهيونية والتحديات العالمية
يتناول الغزالي الصراع مع المشروع الصهيوني برؤية حضارية شاملة:
- توازن القوى: يوضح أن الصهيونية لم تنتصر بقوة الحق، بل بضعف المسلمين وتشتت شملهم وإهمالهم لأسباب القوة العلمية والتنظيمية.
- رسالة الإسلام للعالم: يرى الغزالي أن العالم اليوم غارق في المادية الجافة ويبحث عن منقذ روحي، لكن المسلمين، بحالتهم الراهنة، يقدمون نموذجًا منفرًا يصد الناس عن سبيل الله. لذا، فإن إصلاح الذات هو الخطوة الأولى لتبليغ الرسالة العالمية.

7. فقه الدعوة وتجديد الخطاب
يوجه الغزالي نداءً أخيراً للدعاة بضرورة تغيير لغتهم وأدواتهم:
- خاطبوا الناس بعقولهم: يدعو إلى خطاب إسلامي عصري، يتحدث بلغة العلم والمنطق، ويجيب على تساؤلات الشباب الحائرة، بعيدًا عن لغة الترهيب أو التجهيل.
- الرحمة قبل النقمة: يؤكد أن وظيفة الداعية هي هداية الخلق لا الحكم عليهم، وأن الرفق بالناس وفتح أبواب الأمل لهم هو جوهر المنهج النبوي.

الخاتمة: الأمل في جيل جديد
ينهي الشيخ محمد الغزالي كتابه بنبرة تمزج بين التحذير الشديد والرجاء الواسع. يرى أن الأمة الإسلامية تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على العودة إلى الصدارة، شريطة أن تتصالح مع عقلها وتخلص في عملها.
إن "الجرعات الأخيرة" هي دعوة لترك التواكل، ومحاربة الخرافة، والاعتزاز بالدين كمنهاج للرقي والتحضر، وليس كغطاء للتخلف والكسل. هي صرخة مصلح يخشى على أمته، ويؤمن في الوقت نفسه بأن الفجر قادم لا محالة، إذا ما قرر المسلمون أن يكونوا حملةً صادقين لهذه الرسالة العظيمة.

سمات منهجية في الجزء السادس:
- التركيز المقاصدي: الاهتمام بمقاصد الشريعة الكبرى (حفظ العقل، الكرامة، العدل) فوق الجزئيات.
- النقد الذاتي الصارم: لم يداهن الشيخ أحداً، بل وضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية.
- الأسلوب الأدبي المتدفق: يجمع بين قوة الحجة العقلية وعاطفة الإيمان الجياشة، مما يجعل الكتاب تجربةً وجدانيةً فريدةً.
- الواقعية: ربط الآيات والنصوص بمشكلات القرن الحادي والعشرين بشكل مباشر وفعال.