يأتي الجزء الخامس من سلسلة "الحق المر"، والذي حمل عنوانًا فرعيًا هو "جرعات جديدة من الحق المر"، في مرحلة تاريخية وفكرية حرجة من حياة الشيخ محمد الغزالي وحياة الأمة الإسلامية. في هذا الجزء (قبل الأخير)، يبلغ النقد الذاتي مداه، حيث يرى الغزالي أن الأمة لا تزال تغط في نوم عميق رغم كل الصيحات، وأن "الصحوة الإسلامية" التي استبشر بها الكثيرون قد انحرفت في مساراتها نحو الشكليات والصراعات الجانبية، تاركةً الجوهر الحضاري والعلمي للإسلام خلف ظهرها.
1. تشخيص "الصحوة" وأزمتها البنيوية
يخصص الغزالي جانبًا كبيرًا من هذا الجزء لتقييم الحركات الإسلامية وما عُرف بالصحوة.
- سيادة الشكل على المضمون: يرى المؤلف بأسى أن الصحوة اهتمت بالمظاهر (اللحية، الحجاب، تقصير الثياب) اهتمامًا طغى على بناء الشخصية الأخلاقية والمنتجة. هو لا يرفض السنن، لكنه يرفض أن تكون هي نهاية المطاف في التدين.
- الضحالة الفكرية: ينتقد الغزالي غياب الوعي السياسي والاجتماعي لدى الكثير من الشباب المتدين، وانشغالهم بخصومات مذهبية قديمة لا تسمن ولا تغني من جوع في مواجهة التحديات المعاصرة.
- تشتيت الجهود: يرى أن الطاقات التي كان يجب أن تُوجه لبناء المصانع والجامعات، أُهدِرَت في جدل عقيم حول جزئيات فقهية خلافية.
2. معركة العقل ضد الخرافة والتواكل
يعود الغزالي للتأكيد على أن الإسلام دين "عقل" في المقام الأول، وأن أي محاولة لفصله عن المنطق هي محاولة لهدمه.
- نقد "التدين الخرافي": يهاجم الغزالي انتشار الفكر الذي يعتمد على الرؤى، والمنامات، والكرامات المزعومة كبديل عن التفكير العلمي والعمل المنظم. يرى أن هذا الفكر هو الذي جعل المسلمين لقمة سائغة لأعدائهم.
- فهم السنن الكونية: يشدد على أن النصر ليس هبة عشوائية، بل هو نتيجة طبيعية للأخذ بالأسباب. الأمة التي تجهل قوانين الفيزياء والكيمياء والاجتماع لا يمكن أن تنتصر بالدعاء وحده، لأن الدعاء بغير عمل هو استهزاء بالدين نفسه.
3. الاستبداد السياسي وعلاقته بالهزيمة الحضارية
يربط الغزالي في "الجرعات الجديدة" بين غياب الحرية وبين تخلف المسلمين ربطًا عضويًا.
- المناخ الخانق: يرى أن الفكر لا ينمو إلا في جو من الحرية، وأن الأنظمة الاستبدادية تقتل روح المبادرة والابتكار لدى الشعوب.
- الحاكم والمحكوم: ينتقد الفكر الديني الذي يروج للطاعة العمياء للحاكم الظالم، مؤكدًا أن الإسلام جاء لتحرير الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وهو ما يقتضي رفض الظلم والمطالبة بالشورى الحقيقية.
- ضياع الهوية السياسية: يرى أن المسلمين فقدوا بوصلتهم السياسية، وأصبحوا يقلدون الأنظمة الغربية أو الشرقية تقليدًا أعمى دون وعي بخصوصيتهم الحضارية.
4. قضية المرأة: صرخة ضد التقاليد الجاهلية
يستمر الغزالي في هذا الجزء في الدفاع عن المرأة، معتبرًا أن وضعها في المجتمع المسلم هو "ترمومتر" للصحة أو المرض الحضاري.
- المرأة والعمل العام: يرفض الغزالي الفتاوى التي تحرم على المرأة التعليم أو العمل النافع للمجتمع، معتبرًا هذه الآراء نتاجًا لبيئات بدوية ومنغلقة وليست من الإسلام في شيء.
- المساواة في التكليف والكرامة: يؤكد أن الخطاب القرآني موجه للرجل والمرأة على السواء، وأن تهميش دور المرأة هو انتحار جماعي للأمة، لأنها هي التي تربي الأجيال وتصيغ وجدان المجتمع.
5. الأخلاق والتعامل: الدين هو المعاملة
يرى الغزالي أن الانفصام بين العبادة والمعاملة وصل إلى مستويات مخيفة.
- نفاق التدين: يصف الغزالي بمرارة أولئك الذين يقفون في الصفوف الأولى في المساجد، لكنهم يغشون في تجارتهم، ويكذبون في وعودهم، ويظلمون من تحت أيديهم.
- استعادة القيم الإنسانية: يدعو إلى أن يكون الصدق، والإخلاص، والوفاء بالعهد، وإتقان العمل هي المعايير الحقيقية للحكم على تدين الشخص، وليس وقوفه عند حدود الشعائر الظاهرة فقط.
6. المسلمون والعالم: التحدي الصهيوني والمادي
يناقش الجزء الخامس التحديات الخارجية التي تواجه الأمة من منظور إسلامي شامل.
- الضعف الداخلي والعدوان الخارجي: يرى الغزالي أن الصهيونية والقوى الاستعمارية ما كانت لتنجح لولا "القابلية للاستعمار" لدى المسلمين (بتعبير مالك بن نبي). القوة لا تُحترم إلا القوة، والمسلمون اليوم ضعفاء علميًا واقتصاديًا.
- رسالة الإسلام للعالم: يؤكد أن المسلمين لديهم رسالة أخلاقية وروحية يحتاجها العالم الغربي الذي يغرق في المادية والتحلل، لكن المسلمين لا يستطيعون تقديم هذه الرسالة وهم في حالة من التخلف والتبعية.
7. فقه الأولويات والواقعية الدعوية
يقدم الغزالي رؤية لما يجب أن يكون عليه العمل الإسلامي في المستقبل.
- تقديم الأهم على المهم: يجب ترك الخلافات الفقهية الصغيرة والتركيز على قضايا الوجود الكبرى: الإيمان بالله، العدالة الاجتماعية، التقدم العلمي، الوحدة الإسلامية.
- الدعوة بالقدوة: يرى أن أفضل وسيلة لنشر الإسلام في العصر الحديث ليست الخطب الرنانة، بل تقديم نموذج ناجح لدولة قوية، ونظام اجتماعي عادل، وفرد متخلق بأخلاق القرآن.
الحق المر.. دواء لا بد منه
يختتم الغزالي هذا الجزء بنبرة تجمع بين العتاب الشديد والرجاء الواسع. هو يعلم أن "جرعاته" قد تكون قاسية على البعض، وأن صراحته قد تسبب له المشاكل مع التيارات التقليدية والحداثية على حد سواء، لكنه يرى أن السكوت على الخطأ هو خيانة للدين.
إن رسالة الجزء الخامس هي أن الإسلام لا ينصر الجهلاء، وأن العودة إلى المجد تبدأ من التوبة الجماعية عن الكسل الفكري والعملي. الإسلام في نظر الغزالي هو "دين الحياة"، وأي فهم يبعده عن عمارة الأرض وإسعاد الإنسان هو فهم سقيم يجب تصحيحه.
سمات ومميزات الجزء الخامس:
- النقد الصارم للذات الإسلامية: تجاوز الغزالي في هذا الجزء مرحلة الوعظ العام إلى مرحلة المواجهة المباشرة مع عيوب المتدينين أنفسهم.
- الاستشراف المستقبلي: نلمس في ثنايا الكتاب قلق الغزالي على مستقبل الشباب، ودعوته لهم لتبني فكر إسلامي مستنير يجمع بين الوحي والعصر.
- اللغة الأدبية العالية: كعادة الغزالي، ينساب النص بلغة رصينة وقوية، تجعل من قراءته متعة فكرية وجمالية في آن واحد.
- المنهج المقاصدي: يظهر بوضوح تركيز المؤلف على مقاصد الشريعة الكبرى (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) كإطار لأي إصلاح حقيقي.
لقد أراد الغزالي من هذا الكتاب أن يكون منبهًا أخيراً قبل فوات الأوان، مؤكداً أن الحق وإن كان مراً، فهو الطريق الوحيد للحرية والسيادة.